ملا محمد مهدي النراقي

72

جامع السعادات

جسده فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه . والآيات والأخبار الواردة في محاسبة الأعمال والسؤال عن القليل والكثير والنقير والقطمير أكثر من أن تحصى ، وبإزائها أخبار دالة عن الأمر بالمحاسبة والمراقبة في الدنيا والترغيب عليها ، وعلى كونها سببا للنجاة والخلاص عن حساب الآخرة . وخطره ومناقشته . فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب ، وطالبها في الأنفاس والحركات ، وحاسبها في الخطرات واللحظات ، ووزن بميزان الشرع أعماله وأقواله : خف في القيامة حسابه وحضر عند السؤال جوابه ، وحسن منقلبه ومآبه . ومن لم يحاسب نفسه : دامت حسراته ، وطالت في عرصات القيامة وقفاته ، وقادته إلى الخزي سيئاته قال الله سبحانه : ( ولتنظر نفس ما قدمت لغد ) ( 34 ) . والمراد بهذا النظر : المحاسبة على الأعمال وقال رسول الله ( ص ) : ( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا ) . قال الصادق ( ع ) : ( إذا أراد أحدكم ألا يسأل ربه شيئا إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم ، ولا يكون له رجاء إلا من عند الله - تعالى - فإذا علم الله - تعالى - ذلك من قلبه لم يسأله شيئا إلا أعطاه فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها فإن للقيامة خمسين موقفا . وكل موقف ألف سنة ثم تلا : ( في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) ( 35 ) وتفريع المحاسبة على الأمر باليأس عن الناس والرجاء من الله ، يدل على أن الإنسان أنما يرجو الناس من دون الله في عامة أمره وهو غافل عن ذلك ، وإن عامة المحاسبات إنما ترجع إلى ذلك ، وذكر الوقوف في مواقف يوم القيامة على الأمر بمحاسبة النفس يدل على أن الوقفات هناك إنما تكون للمحاسبات ، فمن حاسب نفسه في الدنيا يوما فيوما لم يحتج إلى تلك الوقفات في ذلك اليوم ، وقال ( ع ) : ( لو لم يكن للحساب مهول إلا حياء العرض على الله - تعالى - وفضيحة هتك الستر على المخفيات ، لحق للمرء ألا يهبط من رؤوس الجبال ، ولا يأوي إلى عمران ، ولا يأكل ، ولا يشرب ، ولا ينام إلا

--> ( 34 ) الحشر ، الآية : 18 . ( 35 ) المعارج ، الآية : 4 .